حديث قتيبة بن سعيد في جمع التقديم ( دراسة نقدية ) المؤلف د. ماهر ياسين الفحل
---
حَدِيْث
قتيبة بن سعيد ، عن الليث بن سعد ، عن يزيد بن أبي حبيب ( )، عن أبي الطفيل عامر
بن واثلة ( )، عن معاذ بن جبل ( ) : (( أن النَّبِيّ كَانَ في غزوة تبوك إذا
ارتحل قَبْلَ زيغ الشمس أخّر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعاً ،
وإذا ارتحل بَعْدَ زيغ الشمس عجّل العصر إلى الظهر ، وصلى الظهر والعصر جميعاً
ثُمَّ سار . وَكَانَ إذا ارتحل قَبْلَ المغرب أخّر المغرب حَتَّى يصليها مع العشاء
، وإذا ارتحل بَعْدَ المغرب عجّل العشاء فصلاها مع المغرب )) .
رَوَاهُ
أحمد ( ) ، وأبو داود ( ) ، والترمذي ( ) ، وابن حبان ( ) ، والدارقطني( )،والحاكم
( ) ، والبيهقي ( ) ، والخطيب البغدادي ( ) ،والذهبي ( )، كلهم من طريق قتيبة
هَذِهِ .
أقول
: هَذَا الْحَدِيْث تفرد بِهِ قتيبة ، عن الليث ، ونص الحفاظ عَلَى ذَلِكَ :
قَالَ
أبو داود : (( لَمْ يروِ هَذَا الْحَدِيْث إلا قتيبة وحده )) ( ) .
وَقَالَ
الترمذي : (( حَدِيْث معاذ حَدِيْث حسن غريب ، تفرّد بِهِ قتيبة ، لا نعرف أحداً
رَوَاهُ عن الليث غيره . وحديث الليث عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الطفيل ، عن
معاذ : حَدِيْث غريب )) ( ) .
وَقَالَ
البيهقي : (( تفرد بِهِ قتيبة بن سعيد ، عن ليث ، عن يزيد )) ( ) .
وَقَالَ
الْخَطِيْب : (( لَمْ يروِ حَدِيْث يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الطفيل ، عن الليث:
غَيْر قتيبة )) ( ) .
وأورده
الحافظ ابن طاهر المقدسي في : " أطراف الغرائب والأفراد " ( ) .
وَقَالَ
الذهبي : (( ما رَوَاهُ أحد عن الليث سوى قتيبة )) ( ) .
وَقَدْ
أنكر هَذَا الْحَدِيْث عَلَى قتيبة سنداً ومتناً :
أما
في السند : فالرواية المحفوظة هِيَ رِوَايَة أبي الزبير ، عن أبي الطفيل ، عن معاذ
. قَالَ أبو سعيد بن يونس ( ): (( لَمْ يحدث بِهِ إلا قتيبة ، ويقال : إنه غلط ،
وإن موضع يزيد بن أبي حبيب : أبو الزبير ( ) )) ( ) .
وَقَالَ
البيهقي : (( وإنما أنكروا من هَذَا رِوَايَة يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الطفيل ،
فأما رِوَايَة أبي الزبير عن أبي الطفيل فهي محفوظة صحيحة )) ( ) .
وَقَدْ
وقفت عَلَى ثمانية أنفس رووه عن أبي الزبير ، عن أبي الطفيل، عن معاذ وهم:
مالك
بن أنس ( ) : ومن طريقه الشَّافِعِيّ ( )، وعبد الرزاق ( ) ، وأحمد ( ) ، والدارمي
( ) ، ومسلم ( ) ، وأبو داود ( ) ، والنسائي ( ) ، وابن خزيمة ( ) ، والطحاوي ( )
، والشاشي ( ) ، وابن حبان ( ) ، والطبراني ( ) ، والبيهقي( ).
قرة
( ) بن خالد ( ): عِنْدَ أبي داود الطيالسي ( ) ، وأحمد ( ) ، ومسلم ( ) ،
والبزار(
)، وابن خزيمة ( ) ، والطحاوي ( ) ، والشاشي ( ) ، وابن حبان ( ) ، والطبراني ( )
.
عمرو
بن الحارث ( ): عِنْدَ الطبراني ( ) .
هشام
بن سعد ( ): عِنْدَ الإمام أحمد ( ) ، وعبد بن حميد ( ) ، والبزار ( ) ، والشاشي (
) ، والطبراني ( ) .
سفيان
بن سعيد الثوري : ومن طريقه أخرجه عَبْد الرزاق ( ) ، وابن أبي شيبة ( )، وأحمد (
) ، وابن ماجه ( ) ، والطبراني ( ) ، وأبو نعيم ( ) .
أبو
خيثمة ( ) زهير بن معاوية : عِنْدَ مُسْلِم ( ) ، والطبراني ( ) .
أشعث
بن سوار ( ) : وروايته عِنْدَ الطبراني ( ) .
زيد
بن أبي أنيسة ( ): كَمَا أخرجها الطبراني ( ) .
أقول
: فَقَدْ خالف قتيبة في روايته هَذَا الْحَدِيْث عن الليث عن يزيد بن أبي حبيب
هؤلاء الرُّوَاة .
أما
الليث بن سعد فَقَدْ رَوَى أصحابه الْحَدِيْث عَنْهُ ، عن هشام بن سعد ، عن أبي
الزبير ، عن أبي الطفيل ، عن معاذ ، بِهِ . وهم :
حماد
بن خالد ( ) : أخرجه أحمد ( ) .
عَبْد
الله بن صالح ( ): عِنْدَ الطبراني ( ) .
يزيد
بن خالد بن يزيد الرملي ( ) : عِنْدَ أبي داود ( ) ، والبيهقي ( ). إلا أنه قرن
الليث بن سعد مع المفضل ( ) بن فضالة ( ) .
وهكذا
يتجه الحمل في إسناد هَذَا الْحَدِيْث إلى قتيبة بن سعيد لا محالة ، في إبدال يزيد
بن أبي حبيب موضع أبي الزبير المكي .
وأما
الْمَتْن : فكل من رَوَى الْحَدِيْث ( ) من طريق أبي الزبير ، عن أبي الطفيل ، عن
معاذ . فإنما ذكر مطلق الجمع من غَيْر تعرض لجمع التقديم في شيء من طرق
الْحَدِيْث، إلا في رِوَايَة قتيبة بن سعيد .
وأما
رِوَايَة يزيد بن خالد الرملي – الآنفة – فَقَدْ وقع لفظها مقارباً للفظ حَدِيْث
قتيبة ، إلا أن الحفاظ أعلّوا هَذِهِ الرِّوَايَة ، قَالَ الحافظ ابن حجر : (( وله
طريق آخر عن معاذ بن جبل ، أخرجها أبو داود من رواية هشام بن سعد ، عن أبي الزبير
، عن أبي الطفيل ، وهشام مختلف فِيْهِ ،
وَقَدْ خالف الحفاظ من أصحاب أبي الزبير ك : مالك والثوري وقرة بن خالد وغيرهم .
فَلَمْ يذكروا في روايتهم جمع التقديم )) ( ) .
وَقَالَ
الترمذي : (( وحديث الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الطفيل ، عن معاذ :
حَدِيْث غريب .
والمعروف
عِنْدَ أهل العلم حَدِيْث معاذ من حَدِيْث أبي الزبير ، عن أبي الطفيل ، عن معاذ ،
أن النَّبِيّ جمع في غزوة تبوك بَيْنَ
الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء ، رَوَاهُ قرة بن خالد وسفيان الثوري ومالك وغير
واحد ، عن أبي الزبير المكي )) ( ) .
وَقَالَ
الذهبي : (( غلط في الإسناد ، وأتى بلفظ منكر جداً )) ( ) .
وَقَالَ
الْخَطِيْب : (( هُوَ منكر جداً من حديثه )) ( ) .
وَقَدْ
أفاض الْحَاكِم في بيان علة الْحَدِيْث في فصل ممتع ، فَقَالَ : (( هَذَا حديث
رواته أئمة ثقات وَهُوَ شاذ الإسناد والمتن لا نعرف لَهُ علة نعلله بِهَا ، وَلَوْ
كَانَ الْحَدِيْث عِنْدَ الليث ، عن أبي الزبير ، عن أبي الطفيل لعللنا بِهِ
الْحَدِيْث ، وَلَوْ كَانَ عِنْدَ يزيد بن أبي حبيب عن أبي الزبير لعللنا بِهِ ،
فلما لَمْ نجد لَهُ العلتين خرج عن أن يَكُوْن معلولاً ، ثُمَّ نظرنا فَلَمْ نجد
ليزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الطفيل رِوَايَة ، ولا وجدنا هَذَا الْمَتْن بهذه
السياقة عِنْدَ أحد من أصحاب أبي الطفيل ، ولا عِنْدَ أحد ممن رَوَاهُ عن معاذ بن
جبل عن أبي الطفيل ، فقلنا الْحَدِيْث شاذ )) ( ) .
وَقَالَ
أبو حاتم : (( كتبت عن قتيبة حديثاً ، عن الليث بن سعد لَمْ أصبه بمصر عن الليث ،
عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الطفيل ، عن معاذ ، عن النَّبِيّ أنه كَانَ في سفر فجمع بَيْنَ الصلاتين )) ثُمَّ قَالَ : (( لا
أعرفه من حَدِيْث يزيد والذي عندي أنه دخل لَهُ حَدِيْث في حَدِيْث )) ( ) .
وأكثر
العلماء قلّدوا الْحَاكِم في تشخيص سبب النكارة ، وَهُوَ أن خالداً المدائني أدخل
الْحَدِيْث عَلَى الليث بن سعد ، فسمعه قتيبة من الليث وَهُوَ ليس من حديثه ( ) .
ورد
الإمام الذهبي هَذَا القَوْل ، فَقَالَ : (( هَذَا التقرير يؤدي إلى أن الليث
كَانَ يقبل التلقين ، ويروي ما لَمْ يَسْمَع ، وما كَانَ كذلك . بَلْ كَانَ حجة
متثبتاً ، وإنما الغفلة وقعت فِيْهِ من
قتيبة ، وَكَانَ شيخ صدق ، قَدْ رَوَى نحواً من مئة ألفٍ ، فيغتفر لَهُ الخطأ في
حَدِيْث واحدٍ )) ( ) .
وَقَالَ
أَيْضاً : (( ما علمتهم نقموا عَلَى قتيبة سوى ذَلِكَ الْحَدِيْث المعروف في الجمع
في السفر )) ( ) .
والأصوب
– والله أعلم – التعليل بما قاله أبو حاتم ، من أن قتيبة دخل لَهُ حَدِيْث الليث ،
عن هشام بن سعد ، عن أبي الزبير ، فظنه حَدِيْث الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب، عن
أبي الطفيل ، وحمل متن حَدِيْث هشام فنسبه إلى رِوَايَة يزيد .
ولهذا
صرح غَيْر واحد من أئمة الْحَدِيْث أنه لَمْ يصح في جمع التقديم شيء ، قَالَ أبو
داود : (( ليس في جمع التقديم حَدِيْث قائم )) ( ) .
وَقَالَ
ابن حجر : (( والمشهور في جمع التقديم ما أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد وابن حبان
من طريق الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الطفيل ، عن معاذ بن جبل . وَقَدْ
أعله جَمَاعَة من أئمة الْحَدِيْث بتفرد قتيبة عن الليث )) ( ) .
أثر
الْحَدِيْث في اختلاف الفقهاء ( الجمع بَيْنَ الصلاتين )
اختلف
الفقهاء في حكم الجمع بَيْنَ الصلاتين بعذر السفر عَلَى أقوال هِيَ :
الأول
: يجوز الجمع بَيْنَ الظهر والعصر في وقت أيهما شاء تقديماً أو تأخيراً ، وكذا
المغرب والعشاء ، وَهُوَ قَوْل جمهور العلماء مِنْهُمْ : سعيد بن زيد ( ) ، وسعد (
)، وأسامة ( ) ، ومعاذ بن جبل ، وأبو موسى ( ) ، وابن عَبَّاسٍ ، وابن عمر . وبه
قَالَ طاووس ، ومجاهد ، وعكرمة( ) ، والثوري ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وابن ( )
المنذر ( ) . وإليه ذهب مالك في المشهور عَنْهُ ( ) ، والشافعية ( ) ، وأحمد في
أصح
الروايتين ( ) ، والهادوية من الزيدية ( ) .
الثاني
: لا يجوز الجمع بَيْنَ فرضين في حال من الأحوال ، إلا الظهر والعصر للحاج جمع
تقديم بعرفة ، والمغرب والعشاء تأخيراً بمزدلفة ، وهذا الجمع بسبب النسك لا بسبب
السفر . وبه قَالَ الحسن البصري ( ) ، وابن سيرين ( ) ، والنخعي ( ) ، ومكحول ( )
، وإليه ذهب أبو حَنِيْفَة وعامة أصحابه ( ) .
الثالث
: يجوز الجمع بَيْنَ الظهر والعصر،أو بَيْنَ المغرب والعشاء جمع تأخير لا تقديم .
وَهُوَ قَوْل الأوزاعي في إحدى الروايتين عَنْهُ( ).وإليه ذهب الإمام أحمد في
رِوَايَة
( ) ، ومالك في رِوَايَة ابن القاسم واختياره ( ) ، وَهُوَ ظاهر مذهب ابن حزم ( )
.
واستدل
أصحاب المذهب الأول بحديث معاذ من رِوَايَة قتيبة ، وَقَدْ تبين عدم صحته .
الدكتور
ماهر ياسين الفحل