روابط مصاحف م الكاب الاسلامي

روابط مصاحف م الكاب الاسلامي
 

ب ميك

المدون

 

السبت، 4 يونيو 2022

النوع الثامن والعشرون معرفة آداب طالب الحديث +النوع التاسع والعشرون: معرفة الإسناد العالي والنازل

 

النوع الثامن والعشرون28.: معرفة آداب طالب الحديث

وقد اندرج طرف منه في ضمن ما تقدم، فأول ما عليه تحقيق الإخلاص، والحذر من أن يتخذه وصلة إلى شيء من الأغراض الدنيوية.

روينا عن حماد بن سلمة رضي الله عنه أنه قال: من طلب الحديث لغير الله مكر به.

وروينا عن سفيان الثوري رضي الله عنه قال: ما أعلم عملا هو أفضل من طلب الحديث لمن أراد اللهَ به. وروينا نحوه عن ابن المبارك رضي الله عنه.

ومن أقرب الوجوه في إصلاح النية فيه: ما روينا عن أبي عمرو إسماعيل بن نجيد: أنه سأل أبا جعفر أحمد بن حمدان، وكانا عبدين صالحين، فقال له: بأي نية أكتب الحديث ؟ فقال: ألستم تروون أن عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة ؟ قال: نعم. قال: فرسول الله ﷺ رأس الصالحين.

وليسأل الله تبارك وتعالى التيسير والتأييد والتوفيق والتسديد، وليأخذ نفسه بالأخلاق الزكية والآداب المرضية. فقد روينا عن أبي عاصم النبيل قال: من طلب هذا الحديث فقد طلب أعلى أمور الدين، فيجب أن يكون خير الناس.

وفي السن الذي يستحب فيه الابتداء بسماع الحديث وبكتبته اختلاف، سبق بيانه في أول النوع الرابع والعشرين.

وإذا أخذ فيه فليشمر عن ساق جهده واجتهاده، ويبدأ بالسماع من أسند شيوخ مصره، ومن الأولى فالأولى من حيث العلم أو الشهرة أو الشرف، أو غير ذلك.

وإذا فرغ من سماع العوالي والمهمات التي ببلده فليرحل إلى غيره.

روينا عن يحيى بن معين أنه قال: أربعة لا يؤنس منهم رشد: حارس الدرب، ومنادي القاضي، وابن المحدث، ورجل يكتب في بلده ولا يرحل في طلب الحديث.

وروينا عن أحمد بن حنبل رضي الله عنه أنه قيل له: أيرحل الرجل في طلب العلو ؟ فقال: بلى والله شديدا، لقد كان علقمة والأسود يبلغهما الحديث عن عمر رضي الله عنه، فلا يقنعهما حتى يخرجا إلى عمر رضي الله عنه فيسمعانه منه، والله أعلم.

وعن إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه أنه قال: إن الله تعالى يدفع البلاء عن هذه الأمة برحلة أصحاب الحديث.

ولا يحملنه الحرص والشره على التساهل في السماع والتحمل، والإخلال بما يشترط عليه في ذلك، على ما تقدم شرحه.

وليستعمل ما يسمعه من الأحاديث الواردة بالصلاة والتسبيح وغيرهما من الأعمال الصالحة، فذلك زكاة الحديث، على ما روينا عن العبد الصالح بشر بن الحارث الحافي رضي الله عنه. وروينا عنه أيضا أنه قال: يا أصحاب الحديث ! أدوا زكاة هذا الحديث، اعملوا من كل مأتي حديث بخمسة أحاديث.

وروينا عن عمرو بن قيس الملائي رضي الله عنه قال: إذا بلغك شيء من الخير فاعمل به ولو مرة تكن من أهله.

وروينا عن وكيع قال: إذا أرت أن تحفظ الحديث فاعمل به.

وليعظم شيخه ومن يسمع منه، فذلك من إجلال الحديث والعلم، ولا يثقل عليه ولا يطول بحيث يضجره، فإنه يخشى على فاعل ذلك أن يحرم الانتفاع. وقد روينا عن الزهري أنه قال: إذا طال المجلس كان للشيطان فيه نصيب.

ومن ظفر من الطلبة بسماع شيخ فكتمه غيرَه، لينفرد به عنهم، كان جديرا بأن لا ينتفع به، وذلك من اللؤم الذي يقع فيه جهلة الطلبة الوضعاء. ومن أول فائدة طلب الحديث الإفادة، روينا عن مالك رضي الله عنه أنه قال: من بركة الحديث إفادة بعضهم بعضا.

وروينا عن إسحاق بن إبراهيم راهويه: أنه قال لبعض من سمع منه في جماعة: انسخ من كتابهم ما قد قرأت. فقال: إنهم لا يمكنونني. قال: إذا والله لا يفلحون، قد رأينا أقواما منعوا هذا السماع فوالله ما أفلحوا ولا أنجحوا.

قلت: وقد رأينا نحن أقواما منعوا السماع فما أفلحوا ولا أنجحوا، ونسأل الله العافية، والله أعلم.

ولا يكن ممن يمنعه الحياء أو الكبر عن كثير من الطلب. وقد روينا عن مجاهد رضي الله عنه أنه قال: لا يتعلم مستحي ولا مستكبر. وروينا عن عمر بن الخطاب وابنه رضي الله عنهما أنهما قالا: من رقَّ وجهه رقَّ علمه.

ولا يأنف من أن يكتب عمن دونه ما يستفيده منه. روينا عن وكيع بن الجراح رضي الله عنه أنه قال: لا ينبل الرجل من أصحاب الحديث حتى يكتب عمن هو فوقه، وعمن هو مثله، وعمن هو دونه، وليس بموفق من ضيَّع شيئا من وقته في الاستكثار من الشيوخ، لمجرد اسم الكثرة وصيتها.

وليس من ذلك قول أبي حاتم الرازي: إذا كتبت فقمش، وإذا حدثت ففتش.

وليكتب، وليسمع ما يقع إليه من كتاب أو جزء على التمام، ولا ينتخب. فقد قال ابن المبارك رضي الله عنه: ما انتخبت على عالم قط إلا ندمت. وروينا عنه أنه قال: لا يُنتخب على عالم إلا بذنب. وروينا - أو بلغنا - عن يحيى بن معين أنه قال: سيندم المنتخب في الحديث حين لا تنفعه الندامة.

فإن ضاقت به الحال عن الاستيعاب، وأُحوج إلى الانتقاء والانتخاب، تولى ذلك بنفسه إن كان أهلا مميزا، عارفا بما يصلح للانتقاء والاختيار. وإن كان قاصرا عن ذلك استعان ببعض الحفاظ لينتخب له. وقد كان جماعة من الحفاظ متصدين للانتقاء على الشيوخ، والطلبة تسمع وتكتب بانتخابهم، منهم: إبراهيم بن أرمة الأصبهاني، وأبو عبد الله الحسين بن محمد المعروف بعبيد العجل، وأبو الحسن الدارقطني، و أبو بكر الجعاني، في آخرين.

وكانت العادة جارية برسم الحافظ علامة في أصل الشيخ على ما ينتخبه، فكان النعيمي أبو الحسن يعلم بصاد ممدودة، وأبو محمد الخلال بطاء ممدودة، وأبو الفضل الفلكي بصورة همزتين، وكلهم يعلم بحبر في الحاشية اليمنى من الورقة، وعلم الدارقطني في الحاشية اليسرى بخط عريض بالحمرة. وكان أبو القاسم اللالكائي الحافظ يعلم بخط صغير بالحمرة على أول إسناد الحديث، ولا حجر في ذلك ولكل الخيار.

ثم لا ينبغي لطالب الحديث: أن يقتصر على سماع الحديث وكتبه دون معرفته وفهمه، فيكون قد أتعب نفسه من غير أن يظفر بطائل، وبغير أن يحصل في عداد أهل الحديث، بل لم يزد على أن صار من المتشبهين المنقوصين المتحلين بما هم منه عاطلون.

أنشدني أبو المظفر بن الحافظ أبي سعد السمعاني رحمه الله - لفظا - بمدينة مَرْوَ، قال: أنشدنا والدي - لفظا أو قراءة عليه - قال: أنشدنا محمد بن ناصر السَّلامي من لفظه قال: أنشدنا الأديب الفاضل فارس بن الحسين لنفسه:

يا طالب العلم الذي ذهبت بمدته الرواية

كن في الرواية ذا العناية بالرواية والدراية

واروِ القليل وراعه فالعلم ليس له نهاية

ولتقدم العناية بالصحيحين، ثم بسنن أبي داود، وسنن النسائي، وكتاب الترمذي، ضبطا لمشكلها وفهما لخفي معانيها، ولا يخدعن عن كتاب السنن الكبير للبيهقي، فإنا لا نعلم مثله في بابه.

ثم بسائر ما تمس حاجة صاحب الحديث إليه من كتب المساند كمسند أحمد.

ومن كتب الجوامع المصنفة في الأحكام المشتملة على المسانيد وغيرها، وموطأ مالك هو المقدم منها.

ومن كتب علل الحديث، ومن أجودها كتاب العلل عن أحمد بن حنبل، وكتاب العلل عن الدارقطني.

ومن كتب معرفة الرجال وتواريخ المحدثين، ومن أفضلها تاريخ البخاري الكبير وكتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم.

ومن كتب الضبط لمشكل الأسماء، ومن أكملها كتاب الإكمال لأبي ناصر بن ماكولا.

وليكن كلما مر به اسم مشكل، أو كلمة من حديث مشكلة، بحث عنها وأودعها قلبه، فإنه يجتمع له بذلك علم كثير في يسر.

وليكن تحفظه للحديث على التدريج قليلا قليلا مع الأيام والليالي، فذلك أحرى بأن يمتع بمحفوظه.

وممن ورد ذلك عنه من حفاظ الحديث المتقدمينشعبة، وابن عُليَّة، ومعمر.

وروينا عن معمر قال: سمعت الزهري يقول من طلب العلم جملة فاته جملة، وإنما يدرك العلم حديثا وحديثين.

وليكن الإتقان من شأنه، فقد قالعبد الرحمن بن مهدي: الحفظ الإتقان.

ثم إن المذاكرة بما يتحفظه من أقوى أسباب الإمتاع به. روينا عن علقمة النخعي قال: تذاكروا الحديث، فإن حياته ذكره. وعن إبراهيم النخعي قال: من سرَّه أن يحفظ الحديث فليحدِّث به، ولو أن يحدِّث به من لا يشتهيه.

وليشتغل بالتخريج والتأليف والتصنيف إذا استعد لذلك وتأهل له، فإنه - كما قال الخطيب الحافظ - يثبت الحفظ، ويذكي القلب، ويشحذ الطبع، ويجيد البيان، ويكشف الملتبس، ويكسب جميل الذكر، ويخلده إلى آخر الدهر، وقلَّ ما يمهر في علم الحديث، ويقف على غوامضه، ويسبين الخفي من فوائده إلا من فعل ذلك. وحدث الصوري الحافظمحمد بن علي قال: رأيت أبا محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ في المنام، فقال لي: يا أبا عبد الله، خرِّج وصنِّف قبل أن يحال بينك وبينه، ها أنا ذا تراني قد حيل بيني وبين ذلك.

وللعلماء بالحديث في تصنيفه طريقتان:

إحداهما: التصنيف على الأبواب، وهو تخريجه على أحكام الفقه وغيرها، وتنويعه أنواعا، وجمع ما ورد في كل حكم وكل نوع في باب فباب.

والثانية: تصنيفه على المسانيد، وجمع حديث كل صحابي وحده وإن اختلفت أنواعه. ولمن اختار ذلك أن يرتبهم على حروف المعجم في أسمائهم. وله أن يرتبهم على القبائل، فيبدأ ببني هاشم، ثم بالأقرب فالأقرب نسبا من رسول الله ﷺ. وله أن يرتب على سوابق الصحابة، فيبدأ بالعشرة، ثم بأهل بدر، ثم بأهل الحديبية، ثم بمن أسلم وهاجر بين الحديبية وفتح مكة، ويختم بأصاغر الصحابة كأبي الطفيل، ونظرائه، ثم بالنساء، وهذا أحسن، والأول أسهل. وفي ذلك من وجوه الترتيب غير ذلك.

وثم إن من أعلى المراتب في تصنيفه تصنيفه معللا، بأن يجمع في كل حديث طرفه واختلاف الرواة فيه، كما فعل يعقوب بن شيبة في مسنده. ومما يعتنون به في التأليف جمع الشيوخ، أي جمع حديث شيوخ مخصوصين كل واحد منهم على انفراده. قال عثمان بن سعيد الدارمي: يقال من لم يجمع حديث هؤلاء الخمسة فهو مفلس في الحديث: سفيان، وشعبة، ومالك، وحماد بن زيد، وابن عيينة، وهم أصول الدين.

وأصحاب الحديث يجمعون حديث خلق كثير غير الذين ذكرهم الدارمي، منهم: أيوب السختياني، والزهري، والأوزاعي.

ويجمعون أيضا التراجم، وهي أسانيد يخصون ما جاء بها بالجمع والتأليف، مثل: ترجمة مالك عن نافع، عن ابن عمر، وترجمة سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة، وترجمة هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، في أشباه لذلك كثيرة.

ويجمعون أيضا أبوابا من أبواب الكتب المصنفة الجامعة للأحكام، فيفردونها بالتأليف، فتصير كتبا مفردة نحو باب رؤية الله عز وجل، وباب رفع اليدين، وباب القراءة خلف الإمام، وغير ذلك.

ويفردون أحاديث، فيجمعون طرقها في كتب مفردة نحو: طرق حديث قبض العلم، وحديث الغسل يوم الجمعة، وغير ذلك. وكثير من أنواع كتابنا هذا قد أفردوا أحاديثه بالجمع والتصنيف.

وعليه في كل ذلك تصحيح القصد، والحذر من قصد المكاثرة ونحوه.

بلغنا عن حمزة بن محمد الكناني: أنه خرج حديثا واحدا من نحو مأتي طريق، فأعجبه ذلك، فرأى يحيى بن معين في منامه فذكر له ذلك، فقال له: أخشى أن يدخل هذا تحت: «ألهاكم التكاثر».

ثم ليحذر أن يخرج إلى الناس ما يصنفه إلا بعد تهذيبه، وتحريره، وإعادة النظر فيه، وتكريره.

وليتقِ أن يجمع ما لم يتأهل بعد لاجتناء ثمرته، واقتناص فائدة جمعه، كيلا يكون حكمه ما رويناه عن علي بن المديني قال: إذا رأيت الحدث أول ما يكتب الحديث، يجمع حديث الغسل، وحديث: من كذب فاكتب على قفاه لا يفلح.

ثم إن هذا الكتاب مدخل إلى هذا الشأن، مفصح عن أصوله وفروعه، شارح لمصطلحات أهله ومقاصدهم ومهماتهم، التي ينقص المحدث بالجهل بها نقصا فاحشا، فهو إن شاء الله جدير بأن تقدم العناية به، ونسأل الله سبحانه فضله العظيم، وهو أعلم.

=======*

النوع التاسع والعشرون: معرفة الإسناد العالي والنازل

أصل الإسناد أولا: خصيصة فاضلة من خصائص هذه الأمة، وسنَّة بالغة من السنن المؤكدة.

روينا من غير وجه عن عبد الله بن المبارك رضي الله عنه أنه قال: الإسناد من الدين، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.

وطلب العلو فيه سنة أيضا ولذلك استحبت الرحلة فيه على ما سبق ذكره.

قال أحمد بن حنبل رضي الله عنه: طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف.

وقد روينا: أن يحيى بن معين رضي الله عنه قيل له في مرضه الذي مات فيه: ما تشتهي ؟ قال: بيت خالي وإسناد عالي.

قلت: العلو يبعد الإسناد من الخلل، لأن كل رجل من رجاله يحتمل أن يقع الخلل من جهته سهوا أو عمدا ففي قلتهم قلة جهات الخلل، وفي كثرتهم كثرة جهات الخلل، وهذا جليِّ واضح.

ثم إن العلو المطلوب في رواية الحديث على أقسام خمسة:

أولها: القرب من رسول الله ﷺ بإسناد نظيف غير ضعيف، وذلك من أجل أنواع العلو. وقد روينا عن محمد بن أسلم الطوسي الزاهد العالم رضي الله عنه أنه قال: قُرب الإسناد قُرب أو قُربة إلى الله عز وجل. وهذا كما قال، لأن قرب الإسناد قرب إلى رسول الله ﷺ، والقرب إليه قرب إلى الله عز وجل.

الثاني: وهو الذي ذكره الحاكم أبو عبد الله الحافظ: القرب من إمام من أئمة الحديث، وإن كثر العدد من ذلك الإمام إلى رسول الله ﷺ. فإذا وُجد ذلك في إسناد وصف بالعلو، نظرا إلى قربه من ذلك الإمام وإن لم يكن عاليا بالنسبة إلى رسول الله ﷺ

وكلام الحاكم يوهم أن القرب من رسول الله ﷺ لا يعد من العلو المطلوب أصلا.

وهذا غلط من قائله، لأن القرب منه -ﷺ - بإسناد نظيف غير ضعيف أولى بذلك.

ولا ينازع في هذا من له مسك من معرفة، وكأن الحاكم أراد بكلامه ذلك إثبات العلو للإسناد بقربه من إمام، وإن لم يكن قريبا إلى رسول الله ﷺ، والإنكار على من يراعي في ذلك مجرد قرب الإسناد إلى رسول الله ﷺ وإن كان إسنادا ضعيفا، ولهذا مثل ذلك بحديث أبي هُدْبة، ودينار، والأشج، وأشباههم، والله أعلم.

الثالث: العلو بالنسبة إلى رواية الصحيحين أو أحدهما، أو غيرهما من الكتب المعروفة المعتمدة، وذلك ما اشتهر آخرا من الموافقات، والأبدال، والمساواة، والمصافحة. وقد كَثر اعتناء المحدثين المتأخرين بهذا النوع. وممن وجدت هذا النوع في كلامه أبو بكر الخطيب الحافظ وبعض شيوخه، وأبو نصر بن ماكولا، وأبو عبد الله الحميدي، وغيرهم من طبقتهم وممن جاء بعدهم.

أما الموافقة: فهي أن يقع لك الحديث عن شيخ مسلم فيه - مثلا - عاليا، بعدد أقل من العدد الذي يقع لك به ذلك الحديث عن ذلك الشيخ إذا رويته عن مسلم عنه.

وأما البدل: فمثل أن يقع لك هذا العلو عن شيخ غير شيخ مسلم، هو مثل شيخ مسلم في ذلك الحديث.

وقد يرد البدل إلى الموافقة، فيقال فيما ذكرناه: إنه موافقة عالية في شيخ شيخ مسلم، ولو لم يكن ذلك عاليا فهو أيضا موافقة وبدل، لكن لا يطلق عليه اسم الموافقة والبدل لعدم الالتفات إليه.

وأما المساواة: فهي - في أعصارنا - أن يقل العدد في إسنادك لا إلى شيخ مسلم وأمثاله، ولا إلى شيخ شيخه، بل إلى من هو أبعد من ذلك، كالصحابي، أو من قاربه، وربما كان إلى رسول الله ﷺ بحيث يقع بينك وبين الصحابي -مثلا - من العدد مثل ما وقع من العدد بين مسلم وبين ذلك الصحابي، فتكون بذلك مساويا لمسلم مثلا في قرب الإسناد وعدد رجاله.

وأما المصافحة: فهي أن تقع هذه المساواة التي وصفناها لشيخك لا لك، فيقع ذلك لك مصافحة، إذ تكون كأنك لقيت مسلما في ذلك الحديث وصافحته به لكونك قد لقيت شيخك المساوي لمسلم.

فإن كانت المساواة لشيخ شيخك كانت المصافحة لشيخك، فتقول: كأن شيخي سمع مسلما وصافحه.

وإن كانت المساواة لشيخ شيخ شيخك فالمصافحة لشيخ شيخك، فتقول فيها: كأن شيخ شيخي سمع مسلما وصافحه. ولك أن لا تذكر لك في ذلك نسبة، بل تقول: كأن فلانا سمعه من مسلم، من غير أن تقول فيهشيخي أو شيخ شيخي.

ثم لا يخفى على المتأمل: أن في المساواة والمصافحة الواقعتين لك لا يلتقي إسنادك وإسناد مسلم - أو نحوه - إلا بعيدا عن شيخ مسلم، فيلتقيان في الصحابي أو قريبا منه. فإن كانت المصافحة التي تذكرها ليست لك، بل لمن فوقك من رجال إسنادك، أمكن التقاء الإسنادين فيها في شيخ مسلم أو أشباهه، وداخلت المصافحة حينئذ الموافقة، فإن معنى الموافقة راجع إلى مساواة ومصافحة مخصوصة، إذ حاصلها: أن بعض من تقدم من رواة إسنادك العالي ساوى أو صافح مسلما أو البخاري، لكونه سمع ممن سمع من شيخهما، مع تأخر طبقته عن طبقتهما.

ويوجد في كثير من العوالي المخرجة لمن تكلم أولا في هذا النوع وطبقتهم المصافحات مع الموافقات والأبدال لما ذكرناه.

ثم اعلم: أن هذا النوع من العلو علو تابع لنزول، إذ لولا نزول ذلك الإمام في إسناده لم تعل أنت في إسنادك. وكنت قد قرأت بمروَ على شيخنا المكثر أبي المظفر عبد الرحيم بن الحافظ المصنف أبي سعد السمعاني رحمهما الله، في أربعيأبي البركات الفراوي حديثا ادعى فيه أنه كأنه سمعه هو أو شيخه من البخاري، فقال الشيخ أبو المظفر: ليس لك بعال، ولكنه للبخاري نازل. وهذا حسن لطيف، يخدش وجه هذا النوع من العلو، والله أعلم.

الرابع: من أنواع العلو : العلو المستفاد من تقدم وفاة الراوي.

مثاله ما أرويه عن شيخ، أخبرني به عن واحد، عن البيهقي الحافظ، عن الحاكم أبي عبد الله الحافظ أعلى من روايتي لذلك عن شيخ، أخبرني به عن واحد، عن أبي بكر بن خلف، عن الحاكم وإن تساوى الإسنادان في العدد، لتقدم وفاة البيهقي على وفاة ابن خلف، لأنالبيهقي مات سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، ومات ابن خلف سنة سبع وثمانين وأربعمائة.

روينا عن أبي يعلى الخليل بن عبد الله الخليلي الحافظ رحمه الله قال: قد يكون الإسناد يعلو على غيره بتقدم موت راويه، وإن كانا متساويين في العدد. ومثل ذلك من حديث نفسه بمثل ما ذكرناه.

ثم إن هذا كلام في العلو المبني على تقدم الوفاة، المستفاد من نسبة شيخ إلى شيخ، وقياس راو براو.

أما العلو المستفاد من مجرد تقدم وفاة شيخك، من غير نظر إلى قياسه براو آخر، فقد حده بعض أهل هذا الشأن بخمسين سنة. وذلك ما رويناه عن أبي علي الحافظ النيسابوري قال: سمعت أحمد بن عمير الدمشقي - وكان من أركان الحديث - يقول: إسناد خمسين سنة من موت الشيخ إسناد علو. وفيما نروي عن أبي عبد الله بن منده الحافظ قال: إذا مر على الإسناد ثلاثون سنة فهو عال. وهذا أوسع من الأول، والله أعلم.

الخامس: العلو المستفاد من تقدم السماع.

أنبئنا عن محمد بن ناصر الحافظ، عن محمد بن طاهر الحافظ قال: من العلو نقدم السماع.

قلت: وكثير من هذا يدخل في النوع المذكور قبله، وفيه ما لا يدخل في ذلك، بل يمتاز عنه. مثل أن يسمع شخصان من شيخ واحد، وسماع أحدهما من ستين سنة مثلا وسماع الآخر من أربعين سنة. فإذا تساوى السند إليهما في العدد: فالإسناد إلى الأول الذي تقدم سماعه أعلى.

فهذه أنواع العلو على الاستقصاء والإيضاح الشافي، ولله سبحانه وتعالى الحمد كله.

وأما ما رويناه عن الحافظ أبي الطاهر السلفي - رحمه الله - من قوله في أبيات له:

بل علو الحديث بين أولي الحفظ والإتقان صحة الإسناد

وما رويناه عنالوزير نظام الملك من قوله:عندي أن الحديث العالي ما صح عن رسول الله ﷺ وإن بلغت رواته مائة. فهذا ونحوه ليس من قبيل العلو المتعارف إطلاقه بين أهل الحديث، وإنما هو علو من حيث المعنى فحسب، والله أعلم.

فصل وأما النزول فهو ضد العلو. وما من قسم من أقسام العلو الخمسة إلا وضده قسم من أقسام النزول. فهو إذا خمسة أقسام، وتفصيلها يدرك من تفصيل أقسام العلو على نحو ما تقدم شرحه.

وأما قول الحاكم أبي عبد الله: لعل قائلا يقول، النزول ضد العلو، فمن عرف العلو فقد عرف ضده، وليس كذلك، فإن للنزول مراتب لا يعرفها إلا أهل الصنعة... إلى آخر كلامه، فهذا ليس نفيا لكون النزول ضدا للعلو على الوجه الذي ذكرته، بل نفيا لكونه يعرف بمعرفة العلو. وذلك يليق بما ذكره هو في معرفة العلو، فإنه قصر في بيانه وتفصيله، وليس كذلك ما ذكرناه نحن في معرفة العلو، فإنه مفصل تفصيلا مفهما لمراتب النزول، والعلم عند الله تبارك وتعالى.

ثم إن النزول مفضول مرغوب عنه، والفضيلة للعلو على ما تقدم بيانه ودليله.

وحكىابن خلاد عن بعض أهل النظر أنه قال: التنزل في الإسناد أفضل، واحتج له بما معناه أنه يجب الاجتهاد والنظر في تعديل كل راو وتجريحه، فكلما زادوا كان الاجتهاد أكثر.

وهذا مذهب ضعيف ضعيف الحجة. وقد روينا عن علي بن المديني وأبي عمرو المستملي النيسابوري أنهما قالا: النزول شؤم. وهذا ونحوه مما جاء في ذم النزول مخصوص ببعض النزول، فإن النزول إذا تعين - دون العلو - طريقا إلى فائدة راجحة على فائدة العلو فهو مختار غير مرذول، والله أعلم.

النوع السابع والعشرون: معرفة آداب المحدث {مقدمة ابن الصلاح}

 

النوع السابع والعشرون: معرفة آداب المحدث

وقد مضى طرف منها اقتضته الأنواع التي قبله.

 

علم الحديث علم شريف، يناسب مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وينافر مساوي الأخلاق ومشاين الشيم، وهو من علوم الآخرة لا من علوم الدنيا. فمن أراد التصدي لإسماع الحديث، أو لإفادة شيء من علومه، فليقدم تصحيح النية وإخلاصها، وليطهر قلبه من الأغراض الدنيوية وأدناسها، وليحذر بلية حب الرياسة ورعوناتها.

 

وقد اختلف في السن الذي إذا بلغه استحب له التصدي لإسماع الحديث والانتصاب لروايته. والذي نقوله: إنه متى احتيج إلى ما عنده استحب له التصدي لروايته ونشره، في أي سن كان. وروينا عن القاضي الفاضل أبي محمد بن خلاد رحمه الله أنه قال: الذي يصح عندي من طريق الأثر والنظر، في الحد الذي إذا بلغه الناقل حسن به أن يحدث هو: أن يستوفي الخمسين، لأنها انتهاء الكهولة، وفيها مجتمع الأشد. قال سحيم بن وثيل:

 

أخو خمسين مجتمع أشُدِّي * ونجَّذني مداورة الشؤون

 

قال: وليس بمنكر أن يحدث عند استيفاء الأربعين، لأنها حد الاستواء ومنتهى الكمال، نبئ رسول الله وهو ابن أربعين، وفي الأربعين تتناهى عزيمة الإنسان وقوته، ويتوفر عقله، ويجود رأيه.

 

وأنكر القاضي عياض ذلك على ابن خلاد وقال: كم من السلف المتقدمين ومن بعدهم من المحدثين، من لم ينته إلى هذا السن ومات قبله، وقد نشر من الحديث والعلم ما لا يحصى هذا عمر بن عبد العزيز توفي ولم يكمل الأربعين.

 

وسعيد بن جبير لم يبلغ الخمسين. وكذلك إبراهيم النخعي.

 

وهذا مالك بن أنس جلس للناس ابن نيف وعشرين، وقيل: ابن سبع عشرة والناس متوافرون، وشيوخه أحياء. وكذلك محمد بن إدريس الشافعي: قد أخذ عنه العلم في سن الحداثة، وانتصب لذلك. والله أعلم.

 

قلت: ما ذكره ابن خلاد غير مستنكر، وهو محمول على أنه قاله: فيمن يتصدى للتحديث ابتداء من نفسه، من غير براعة في العلم تعجلت له قبل السن الذي ذكره. فهذا إنما ينبغي له ذلك بعد استيفاء السن المذكور، فإنه مظنة الاحتياج إلى ما عنده. وأما الذين ذكرهم عياض ممن حدث قبل ذلك: فالظاهر أن ذلك لبراعة منهم في العلم تقدمت، ظهر لهم معها الاحتياج إليهم فحدثوا قبل ذلك، أو لأنهم سُئلوا ذلك إما بصريح السؤال وإما بقرينة الحال.

 

وأما السن الذي إذا بلغه المحدث انبغى له الإمساك عن التحديث: فهو السن الذي يخشى عليه فيه من الهرم والخرف، ويخاف عليه فيه أن يخلط ويروي ما ليس من حديثه، والناس في بلوغ هذه السن يتفاوتون بحسب اختلاف أحوالهم. وهكذا إذا عمي وخاف أن يدخل عليه ما ليس من حديثه، فليمسك عن الرواية.

 

وقال ابن خلاد: أعجب إليَّ أن يمسك في الثمانين، لأنه حد الهرم، فإن كان عقله ثابتا ورأيه مجتمعا، يعرف حديثه ويقوم به، وتحرى أن يحدث احتسابا رجوت له خيرا.

 

ووجه ما قاله: أن من بلغ الثمانين ضعف حاله في الغالب، وخيف عليه الاختلال والإخلال، أو أن لا يفطن له إلا بعد أن يخلط، كما اتفق لغير واحد من الثقات، منهم عبد الرزاق وسعيد بن أبي عروبة.

 

وقد حدث خلق بعد مجاوزة هذا السن، فساعدهم التوفيق وصحبتهم السلامة، منهم: أنس بن مالك وسهل بن سعد وعبد الله بن أبي أوفى من الصحابة، ومالك، والليث، وابن عيينة، وعلي بن الجعد، في عددٍ جمٍ من المتقدمين والمتأخرين. وفيهم، غير واحد حدثوا بعد استيفاء مائة سنة، منهم:الحسن بن عرفة، وأبو القاسم البغوي وأبو إسحاق العجيمي والقاضي أبو الطيب الطبري رضي الله عنهم أجمعين، والله أعلم.

 

ثم إنه لا ينبغي للمحدث أن يحدث بحضرة من هو أولى منه بذلك. و كان إبراهيم والشعبي إذا اجتمعا لم يتكلم إبراهيم بشيء. وزاد بعضهم: فكرة الرواية ببلد فيه من المحدثين من هو أولى منه، لسنه أو لغير ذلك.

 

روينا عنيحيى بن معين قال: إذا حدثت في بلد فيه مثل أبي مُسهر فيجب للحيتي أن تحلق. وعنه أيضا: إن الذي يحدث بالبلدة - وفيها من هو أولى بالتحديث منه - فهو أحمق.

 

وينبغي للمحدث - إذا التمس منه ما يعلمه عند غيره، في بلده أو غيره، بإسناد أعلى من إسناده أو أرجح من وجه آخر - أن يعلم الطالب به ويرشده إليه، فإن الدين النصيحة.

 

ولا يمتنع من تحديث أحد لكونه غير صحيح النية فيه، فإنه يرجى له حصول النية من بعد.

 

روينا عن معمر قال: كان يقال: إن الرجل ليطلب العلم لغير الله، فيأبى عليه العلم حتى يكون لله عز وجل.

 

وليكن حريصا على نشره، مبتغيا جزيل أجره. وقد كان في السلف رضي الله عنهم من يتألف الناس على حديثه، منهم عروة بن الزبير رضي الله عنهما.

 

ولْيُقتَد بمالك رضي الله عنه: فيما أخبرناه أبو القاسم الفراوي بنيسابور: أخبرنا أبو المعالي الفارسي:أخبرنا أبو بكر البيهقي الحافظ قال:أ نا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني إسماعيل بن محمد بن الفضل بن محمد الشعراني، حدثنا جدي: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: كان مالك بن أنس إذا أراد أن يحدث توضأ، وجلس على صدر فراشه، وسرح لحيته، وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة، وحدث. فقيل له في ذلك. فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله ، ولا أحدث إلا على طهارة متمكنا.

 

وكان يكره أن يحدث في الطريق، أو هو قائم، أو يستعجل. وقال: أحب أن أتفهم ما أحدث به عن رسول الله .

 

وروي أيضا عنه أنه كان يغتسل لذلك ويتبخر ويتطيب، فإن رفع أحد صوته في مجلسه زبره وقال: قال الله تعالى «يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي» فمن رفع صوته عند حديث رسول الله فكأنما رفع صوته فوق صوت رسول الله .

 

وروينا - أو: بلغنا - عنمحمد بن أحمد بن عبد الله الفقيه أنه قال: القارئ لحديث رسول الله إذا قام لأحد فإنه يكتب عليه خطيئة.

 

ويستحب له مع أهل مجلسه ما ورد عنحبيب بن أبي ثابتأنه قال: إن من السنة إذا حدث الرجل القوم أن يقبل عليهم جميعا، والله أعلم.

 

ولا يسرد الحديث سردا يمنع السامع من إدراك بعضه، وليفتتح مجلسه وليختتمه بذكر ودعاء يليق بالحال. ومن أبلغ ما يفتتحه به أن يقول: الحمد لله رب العالمين، أكمل الحمد على كل حال. والصلاة والسلام الأتمان، على سيد المرسلين، كلما ذكره الذاكرون، وكلما غفل عن ذكره الغافلون. اللهم صل عليه وعلى آله وسائر النبيين وآل كل، وسائر الصالحين، نهاية ما ينبغي أن يسأله السائلون

 

ويستحب للمحدث العارف عقد مجلس لإملاء الحديث، فإنه من أعلى مراتب الراوين، والسماع فيه من أحسن وجوه التحمل وأقواها، وليتخذ مستمليا يبلغ عنه إذا كثر الجمع، فذلك دأب أكابر المحدثين المتصدين لمثل ذلك.

 

وممن روي عنه ذلك: مالك وشعبة ووكيع وأبو عاصم ويزيد بن هارون، في عدد كثير من الأعلام السالفين.

 

وليكن سُتَمليه محصلا متيقظا، كيلا يقع في مثل ما روينا: أن يزيد بن هارون سئل عن حديث، فقال: حدثنا به عدة، فصاح به مستمليه: يا أبا خالد !عدة ابن من ؟ فقال له: عدة ابن فقدتك. وليستمل على موضع مرتفع من كرسي أو نحوه، فإن لم يجد استملى قائما. وعليه أن يتبع لفظ المحدث، فيؤديه على وجهه من غير خلاف. والفائدة في استملاء المستملي: توصل من يسمع لفظ المملي على بعد منه، إلى تفهمه وتحققه بإبلاغ المستملي.

 

وأما من لم يسمع إلا لفظ المستملي: فليس يستفيد بذلك جواز روايته لذلك عن المملي مطلقا، من غير بيان الحال فيه. وفي هذا كلام قد تقدم في النوع الرابع والعشرين.

 

ويستحب افتتاح المجلس بقراءة قارئ لشيء من القرآن العظيم. فإذا فرغ استنصت المستملي أهل المجلس إن كان فيه لغط، ثم يبسمل ويحمد الله تبارك وتعالى، ويصلي على رسول الله ، ويتحرى الأبلغ في ذلك، ثم يقبل على المحدث ويقول: من ذكرتَ أو ما ذكرت رحمك الله أو غفر الله لك أو نحو ذلك.

 

وكلما انتهى إلى ذكر النبي - - صلى عليه، وذكر الخطيب أنه يرفع صوته بذلك، وإذا انتهى إلى ذكر الصحابي قال رضي الله عنه.

 

ويحسن بالمحدث الثناء على شيخه في حالة الرواية عنه بما هو أهل له، فقد فعل ذلك غير واحد من السلف والعلماء، كما روي عن عطاء بن أبي رباح: أنه كان إذا حدث عن ا بن عباس رضي الله عنهما قال: حدثني البحر وعن وكيع: أنه قال حدثنا سفيان أمير المؤمنين في الحديث.

 

وأهم من ذلك الدعاء له عند ذكره، فلا يغفلنَّ عنه.

 

ولا بأس بذكر من يروي عنه بما يعرف به من لقب، كغُندر لقب محمد بن جعفر صاحب شعبة ولوين لقب محمد بن سليمان المَصِيصي. أو نسبةٍ إلى أم عرف بها، كيعلى بن منية الصحابي وهو ابن أمية، ومنية أمه، وقيل: جدته أم أبيه.

 

أو وصف بصفة نقص في جسده عرف بها، كسليمان الأعمش، وعاصم الأحول. إلا ما يكرهه من ذلك، كما في إسماعيل بن إبراهيم، المعروف بابن علية، وهي أمه، وقيل: أم أمه. روينا عن يحيى بن معين أنه كان يقول حدثنا إسماعيل بن علية فنهاه أحمد بن حنبل، وقال: قل إسماعيل بن إبراهيم فإنه بلغني أنه كان يكره أن ينسب إلى أمه، فقال: قد قبلنا منك يا معلم الخير.

 

وقد استحب للملي أن يجمع في إملائه بين الرواية عن جماعة من شيوخه، مقدما للأعلى إسنادا أو الأولى من وجه آخر. ويملي عن كل شيخ منهم حديثا واحدا، ويختار ما علا سنده وقصر متنه، فإنه أحسن وأليق. وينتقي ما يمليه ويتحرى المستفاد منه، وينبه على ما فيه من فائدة وعلو وفضيلة. ويتجنب ما لا تحتمله عقول الحاضرين، وما يخشى فيه من دخول الوهم عليهم في فهمه.

 

وكان من عادة غير واحد من المذكورين ختم الإملاء بشيء من الحكايات والنوادر والإنشادات بأسانيدها، وذلك حسن، والله أعلم.

 

وإذا قصر المحدث عن تخريج ما يمليه، فاستعان ببعض حفاظ وقته، فخرج له، فلا بأس بذلك.

 

قال الخطيب: كان جماعة من شيوخنا يفعلون ذلك.

 

وإذا نجِز الإملاء فلا غنى عن مقابلته، وإتقانه وإصلاح ما فسد منه بزيغ القلم وطغيانه.

 

هذه عيون من آداب المحدث، اجتزأنا بها معرضين عن التطويل بما ليس من مهماتها، أو هو ظاهر ليس من مستبهماتها، والله الموفق والمعين، وهو أعلم.

=

 

ج4.وج5.. كتاب : توجيه النظر إلى أصول الأثر المؤلف : طاهر الجزائري الدمشقي

ج4.وج5.. كتاب : توجيه النظر إلى أصول الأثر المؤلف : طاهر الجزائري الدمشقي الوحدان وهو معلول من ثلاثة أوجه أحدها أن عثمان هو ابن أبي سليمان...